الجاحظ
204
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
قال الكسائي : لقيت أعرابيا فجعلت أسأله عن الحرف بعد الحرف ، والشيء بعد الشيء أقرنه بغيره ، فقال : تاللّه ما رأيت رجلا أقدر على كلمة إلى جنب كلمة أشبه شيء بها وأبعد شيء منها منك . ووصف أعرابي رجلا فقال : ذاك واللّه ممن ينفع سلمه ، ويتواصف حلمه ، ولا يستمرأ ظلمه . وقال آخر لخصمه : لئن هملجت إلى الباطل إنك لقطوف « 1 » إلى الحق . قال : ورأى رقبة بن مصقلة العبدي جارية عند العطار ، فقال له : ما تصنع هذه عندك ؟ قال : أكيل لها حناء . قال : أظنك واللّه تكيل لها كيلا لا يأجرك اللّه عليه . محمد بن سعيد ! عن إبراهيم بن حويطب ، قال : قال عمرو بن العاص لعبد اللّه بن عباس : إن هذا الأمر الذي نحن وأنتم فيه ليس بأول أمر قاده البلاء ، وقد بلغ الأمر بنا وبكم ما ترى ، وما أبقت لنا هذه الحرب حياء ولا صبرا ، ولسنا نقول ليت الحرب عادت ، ولكنا نقول ليتها لم تكن كانت . فانظر فيما بقي بغير ما مضى ، فإنك رأس هذا الأمر بعد عليّ ، وإنما هو أمير مطاع ، ومأمور مطيع ، ومشاور مأمون ، وأنت هو . وقال عيسى بن طلحة ، لعروة بن الزبير حين ابتلي في رجله فقطعها : يا أبا عبد اللّه ، ذهب أهونك علينا ، وبقي أكثرك لنا . وقالت عائشة : لا سمر إلا لثلاثة : لمسافر ، أو مصلّ ، أو عروس . قال أبو الحسن : خطب الحجاج يوم جمعة فأطال الخطبة ، فقال رجل : « إن الوقت لا ينتظرك ، وإن الرب لا يعذرك » ، فحبسه ، فأتاه أهل الرجل وكلموه فيه وقالوا : إنه مجنون . قال : إن أقرّ بالجنون خليت سبيله . فقيل له : أقر بالجنون . قال : لا واللّه ، لا أزعم أنه ابتلاني وقد عافاني .
--> ( 1 ) الهملجة : حسن سير الدابة في سرعة . القطاف ، تقارب الخطو في بطء .